الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

الشجرة التى تحتاج سبعين عاماً

الشجرة التى تحتاج سبعين عاماً
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

حين يُقال إن أشجاراً جديدة ستُزرع بدلاً من الأشجار التى جرى قطعها. فهذه خطوة تبدو فى ظاهرها مطمئنة. لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم. لماذا وصلنا أصلاً إلى مرحلة أصبح فيها تعويض الشجرة القديمة بزراعة شجرة صغيرة هو الحل المطروح؟.

مقالات ذات صلة

الشجرة ليست مجرد جذع وأغصان وأوراق يمكن إستبدالها بشتلة جديدة. الشجرة كائن حى يحتاج سنوات طويلة حتى يصنع لنفسه مكاناً فى البيئة. ويحتاج عقوداً حتى يصل إلى الحجم الذى يمنحه القيمة الحقيقية فى الظل. وتنقية الهواء. وخفض درجات الحرارة. وحماية التربة. وتحسين المشهد الحضارى. وربما تحتاج بعض الأشجار إلى عشرات السنين حتى تقترب من القيمة البيئية التى كانت تقدمها الأشجار الكبيرة.

ولهذا فإن زراعة شجرة جديدة لا تعنى بالضرورة تعويض شجرة قديمة. فالشتلة التى تُزرع اليوم قد تحتاج إلى عقود طويلة حتى تصل إلى الحالة التى كانت عليها شجرة قطعت بالأمس. وقد يصل الأمر فى بعض الأنواع والظروف إلى عقود تقترب من سبعين عاماً أو أكثر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً. هل نستطيع أن نتعامل مع الأشجار القديمة بمنطق الإستبدال السريع؟.

المسألة لا تتعلق بالخشب وحده. ولا بعدد الأشجار التى تظهر فى تقارير التشجير. المسألة تتعلق بعمر ما نفقده. فهناك فرق هائل بين أن تقول إننا قطعنا عدداً من الأشجار وسنزرع العدد نفسه. وبين أن تسأل عن القيمة البيئية والزمنية التى فقدناها بقطع أشجار كبيرة إستغرق نموها عشرات السنين.

والأمر لا يتوقف عند لحظة الزراعة. فالشجرة الصغيرة تحتاج إلى رعاية مستمرة. تحتاج إلى مياه للرى. وتحتاج إلى متابعة. وقد تحتاج إلى أسمدة ومعالجة وحماية من الجفاف والآفات. وتحتاج إلى عمالة ومعدات وبرامج صيانة. وكل ذلك يعنى أعباء إضافية على الموازنة العامة إذا كانت الزراعة والرعاية تتمان من خلال الجهات الحكومية.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً. إذا كانت الشجرة القديمة يمكن الحفاظ عليها بالتقليم المنضبط والصيانة والعلاج. فما الذى يجعل قرار الإزالة هو الخيار الأسهل؟. وإذا كانت هناك أشجار تمثل خطراً حقيقياً على المواطنين أو المنشآت. فهنا لا خلاف على ضرورة إتخاذ إجراء يحفظ الأرواح والممتلكات. لكن الفرق كبير بين شجرة تشكل خطراً ثابتاً لا يمكن علاجه. وشجرة تحتاج إلى تقليم جيد أو معالجة أو متابعة فنية.

الحفاظ على الأشجار لا يعنى تركها بلا تدخل. بل يعنى أن يكون التدخل علمياً ومحدوداً بقدر الحاجة. فالتقليم ليس قطعاً عشوائياً للأفرع. والعلاج ليس إزالة الجذع. وإدارة المساحات الخضراء ليست سباقاً لإظهار عدد ما تمت زراعته. وإنما هى إدارة لأصل بيئى يحتاج إلى رؤية طويلة المدى.

والأخطر من فقدان الشجرة نفسها هو فقدان فلسفة التعامل معها. لأن المجتمع الذى يرى شجرة عمرها عشرات السنين بإعتبارها شيئاً يمكن تعويضه بسهولة. قد ينسى أن الطبيعة لا تعمل بمنطق دفاتر الحسابات. لا يمكن أن نضع شجرة عمرها خمسون أو ستون عاماً فى كفة. ثم نضع فى الكفة الأخرى شتلة صغيرة ونعلن أن الحساب قد تساوى.

هناك أيضاً جانب إقتصادى لا ينبغى تجاهله. فالحفاظ على شجرة قائمة غالباً ما يكون أقل تكلفة من زراعة شجرة جديدة ثم تحمل تكاليف رعايتها لسنوات طويلة. ولذلك فإن حماية الأشجار الموجودة ليست فقط قراراً بيئياً. وإنما يمكن أن تكون أيضاً قراراً رشيداً فى إدارة الموارد العامة. خصوصاً فى ظل الحاجة إلى ترشيد الإنفاق وتوجيه المال العام إلى ما يحقق أكبر منفعة ممكنة للمواطن.

ومن حق المواطن أن يعرف. ليس من باب التشكيك فى أحد. وإنما من باب المشاركة المجتمعية والحرص على المال العام. ما المعايير الفنية التى تحدد أن الشجرة أصبحت غير قابلة للعلاج؟. ومن الذى يقرر أن القطع هو الحل الوحيد؟. وهل يتم توثيق حالة الأشجار قبل إتخاذ القرار؟. وهل توجد تقارير فنية واضحة؟. وهل تتم مقارنة تكلفة الحفاظ على الشجرة بتكلفة إزالتها وإعادة زراعتها ورعايتها؟.

هذه الأسئلة ليست إتهاماً لأحد. لكنها أسئلة ضرورية عندما يتعلق الأمر بثروة عامة صنعتها الطبيعة والسنوات. والمطلوب ليس تعطيل أعمال التطوير. ولا منع الجهات المختصة من إتخاذ ما تراه ضرورياً. المطلوب فقط أن يكون القطع هو آخر الحلول. وليس أولها.

إن الشجرة الكبيرة ليست عائقاً أمام التطوير بالضرورة. وأحياناً يكون التطوير الحقيقى هو أن نعيد تصميم المكان حول الشجرة. لا أن نزيل الشجرة حتى يتوافق المكان مع التصميم. فالهندسة الذكية لا تعنى دائماً إزالة ما يعترض طريقها. وإنما تعنى أحياناً أن تجد طريقاً يحافظ على ما لا يمكن تعويضه بسهولة.

يا سيادة المسؤول. إذا كان الإعلان عن زراعة أشجار جديدة يبعث برسالة إيجابية. فإن الرسالة الأهم يجب أن تكون حماية الأشجار القائمة قبل التفكير فى تعويضها. لأن الشتلة الجديدة تحتاج إلى سنوات حتى تكبر. أما الشجرة التى قطعت. فقد إنتهت رحلة عمرها فى دقائق أو ساعات. ولن يستطيع أى رقم فى تقرير أن يعيد إليها السنوات التى فقدناها.

نحن لا نحتاج فقط إلى زراعة المزيد من الأشجار. نحن نحتاج إلى ثقافة تحترم الشجرة. وإلى إدارة تنظر إليها بإعتبارها ثروة وليست مجرد عنصر يمكن تغييره. وإلى قرارات تجعل الإزالة إستثناءً تفرضه الضرورة الفنية. لا قاعدة سهلة يتم اللجوء إليها كلما تعارضت الأشجار مع مشروع أو طريق أو مساحة.

فالنجاح الحقيقى ليس أن نزرع ألف شجرة بعد قطع ألف شجرة. النجاح الحقيقى أن نحافظ على الألف القديمة. ثم نزرع فوقها ألفاً جديدة. عندها فقط نكون قد أضفنا إلى ثروتنا الخضراء. لا أننا إستبدلنا ثروة عمرها عقود بوعود تحتاج هى الأخرى إلى عقود حتى تكتمل.

الشجرة التى زرعها إنسان قبل عشرات السنين لم تكن ملكاً لجيل واحد. كانت أمانة وصلت إلينا من جيل سابق. ومن حق الأجيال القادمة أن تجدها أو تجد مثلها. لا أن ترث فقط صوراً لأشجار كانت ذات يوم تملأ الشوارع والميادين ظلاً وحياةً.

ولهذا فإن السؤال الذى يجب أن يبقى أمام كل مسؤول عن المساحات الخضراء ليس فقط. كم شجرة سنزرع؟. بل سؤال أكثر أهمية وعمقاً. كم شجرة قائمة سننجح فى إنقاذها من القطع؟.

فزرع شجرة جديدة عمل محمود. لكن إنقاذ شجرة عمرها عشرات السنين قد يكون عملاً أعظم. لأنك لا تنقذ شجرة فقط. أنت تنقذ سنوات من عمر الطبيعة. وتحافظ على جزء من ذاكرة المكان. وتحمي مورداً بيئياً وإقتصادياً لا يمكن إستعادته بقرار إدارى أو بيان إعلامى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى